نحن والمحكمة
فارس خشّان
مرت سنة على انطلاقة المحكمة الخاصة بلبنان ،والنتيجة المعلنة حتى اليوم :إعادة التحقيق الى نقطة الصفر.
ثمة من يعتبر أن العودة الى نقطة الصفر هو فشل ذريع للمحكمة وتنصل كبير من المدعي العام الدولي دانيال بلمار، من تعهداته بوجود "حقيقة " أكيدة في الملف .
وثمة من يدافع عن العودة الى نقطة الصفر ،على اعتبار أنها أراحت مكتب المدعي العام الدولي من عبء المراجعات وضغط الزمن ،حتى يتسنى له العمل براحة بال فيتمكن من "صوغ الأدلة"، حتى تصبح مقبولة في محاكمة عادلة تنتهي إلى التجريم.
من نُصدّق؟
هل نضيف أعدادا على جموع المحبطين أم نقف في صفوف المتفائلين ،على الرغم من قلتهم؟
نداء الإحباط
السلبية تجذب في هذه المرحلة المحلية والإقليمية والدولية ،بفعل التأثر الآني بالواقع السياسي الذي لا يبدو مؤاتيا أبدا للمطالب التي رفعها اللبنانيون في "ثورة الأرز".
وما يُعزز عوامل الجذب للإنخراط في السلبية ،هو الصمت المطبق الذي يمارسه مكتب دانيال بلمار،حتى يبدو أنه يتلهّى بنزع أوراق الروزنامة ،لتمر السنتان المتبقيتان من العمر الأوّل للمحكمة،فيعود الى بلاده،حيث يمضي فيها عمره التقاعدي.
ولا يمكن إغفال التأثيرات السلبية للإستقالات الحاصلة في المحكمة،على اعتبار أن المؤسسات المُنتجة تستقطب الطاقات ولا تُنفرها ،وتحوّل العاملين فيها الى عصب حيوي فيتناسوا صراعاتهم الوظيفية.
عوامل التفاؤل
إلا أنه ،على الرغم من هذه العوامل ،فإن المعطيات المنطقية تُقدّم التفاؤل،ولو بحذر،على التشاؤم .كيف ذلك؟
من يُدقق بمنهجية دانيال بلمار يُدرك ان هذا النائب العام الدولي –على الرغم من التشكيك المستمر بقدراته – لا يقابل بصمت المعلومات التي يعتبرها خاطئة ومن شأنها أن تتسبب بضرر لتحقيقاته.
وهو في هذا السياق ،قال مرارا وتكرارا،إنه متى وجد ضرورة لتكذيب المعلومات التي تنشرها وسائل الإعلام يفعل ذلك ،مقدما ،على سبيل المثال،النفي الصادر عن مكتبه ،لمعلومات نشرتها "الأنوار "اللبنانية قبل أكثر من سنة ،عن وجود أكثر من 250 مشتبها بهم في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وهذا يعني أن ما ينشر من معلومات تتعلق بالتحقيق ولا يتم نفيها ،فهي صحيحة أو فيها جانب من الصحة .
وفي هذا السياق،على سبيل المثال لا الحصر،رفض بلمار أن ينفي معلومات سبق ونشرتها،في مناسبات منفصلة ،كل من صحيفتي "دير شبيغل "الألمانية و"لوموند"الفرنسية،على الرغم من توجيه التهمة الى أسماء وجهات ودول محددة.
ومن يدقق بمنهجية عمل الجهات المعادية للمحكمة الخاصة بلبنان ،يدرك ان ثمة ما يقلقها،فهي بدورها تُخفي ما تعرفه عن العمل التحقيقي لأنها معنية بكثير من تفاصيله،لتشن بين الفترة والأخرى حملة تشكيك مبنية على ثلاثة معطيات مكررة،أولها كلفة المحكمة ورواتب الموظفين فيها بالمقارنة مع كلفة الموظفين في المحاكم اللبنانية،وثانيها تجاوز المحكمة لمطلب محاكمة ما يطلقون عليه تسمية شهود الزور وشركائهم ،وثالثها تغاضي المحكمة عن محاكمة إسرائيل على ما تقترفه من جرائم ضد الإنسانية في كل من لبنان وغزة .
وهذه السلوكية في عمل الجهات المعادية للمحكمة ،ترجّح كفة القلة المتفائلة ،لأن المطلوب ،بعد خمس سنوات شهدت وتشهد إنجازات في الجرائم التي اقترفها عملاء إسرائيل في لبنان والمجموعات الإسلامية الإرهابية ،ليس تشكيكا بوضعية المحكمة بل تقديم ملفات تدحض التوجهات الإتهامية المعبّر عنها ،في الإستدعاءات هنا وفي "المعلومات"الصحافية هناك.
منهجية كاسيزي
وفي هذا السياق أيضا يمكن إدراج منهجية رئيس المحكمة الخاصة بلبنان أنطونيو كاسيزي.
فهذا القاضي الدولي،يأتي الى المحكمة بعد تاريخ حافل بالخبرات على مستوى العدالة الدولية،وتاليا فإن لمنهجيته دورا حاسما في زرع التشاؤم أو تعميم التفاؤل.
ومن يدقق بأدائه ،يكتشف أن كاسيزي "ينخرط"أكثر فأكثر بالمحكمة الخاصة بلبنان،مما يؤشر الى تفاؤله بأنها من المحاكم المؤهلة للإنتاج .
وهنا ،يمكن إدراج زيارته الأخيرة للبنان،ونوعية الشخصيات التي تجنب مقابلتها،على غرار رئيس الحكومة سعد الحريري ونائبه وزير الدفاع الياس المر ،على اعتبار أن المحكمة التي يترأس ستنعقد لمحاكمة قتلة والد الأول ،ومن حاول اغتيال الثاني.
ولا تقتصر المعطيات المستخرجة من منهجية كاسيزي عند هذا الحد،بل تتخطاها الى ما هو أهم .
فهذا القاضي الإيطالي،وبعد سنة على بدء العمل بمحكمة يوغوسلافيا السابقة التي كان يترأسها،رفع الصوت في وجه مكتب النائب العام فيها،وهدد بترك عمله إن لم يبدأ الإدعاء قريبا بتحويل المتهمين الى المحاكمة .
كان يومها كاسيزي متشائما من النتائج،بفعل العرقلة الدولية لأعمال مكتب المدعي العام وبفعل "إستسلام"المكتب لهذا الواقع الدولي"المستخف"بالعدالة الدولية .
في حالة المحكمة الخاصة بلبنان،لم يكرر كاسيزي فعلته،بل هو ،بمناسبة مرور سنة على تشكيل المحكمة ،دافع عنها في تقريره الثاني ،تماما كما دافع عن أعمال مكتب المدعي العام نائبه رالف رياشي.
وعلى هذا المستوى ،لا يمكن لمتابعي أعمال المحكمة أن يقفزوا فوق الدعم الدولي المتجدد للمحكمة الخاصة بلبنان وخصوصا من الدول التي رعت إنشاءها، وهنا تندرج اهمية إلتزام إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بما سارت به إدارة الرئيس السابق جورج بوش،كما أبعاد التأكيدات المتواصلة لإدارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الداعمة للمحكمة،من دون قيد أوشرط،على الرغم من التغييرات التي أدخلها على سياساته الشرق أوسطية.
وهذا الدعم الدولي،يعني أن المخاوف التي أثيرت سابقا عن تأثير التغييرات السياسية على المحكمة من مدخل عرقلة تمويلها،قد انعدمت لتحل مكانها ثقة بديمومتها،أقله حتى انتهاء عمرها الأول،وهو ثلاث سنوات،قابلة للتجديد بقرار يصدر عن مجلس الأمن ثلاث سنوات أخرى.
هذه هي العوامل التي تدعو الى التفاؤل ،ولكن لماذا يبقى التفاؤل حذرا؟
الحذر تمليه قواعد عمل المحكمة الخاصة بلبنان،فبنيتها التأسيسية أتت شبيهة ببنية المحاكم الدولية الأخرى المختصة بملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية،على الرغم من اختلاف الطبيعة الجرمية،فملف الحريري وملفات المرتبطة به،هي ملفات تكونها جرائم اغتيال اقترفتها مجموعات محترفة وفاعلة،وبالتالي هناك ضرورة لتوكيد الحقيقة بأدلة دامغة مستخرجة من شهود"فدائيين"ومن ملفات"مختفية"أو "مشوّهه أو متلاعب بها،في حين أن الملفات التي نظرت وتنظر فيها المحاكم الأخرى تتصل بجرائم واضحة معروف مرتكبوها ،ويبقى على المدعي العام لديها تحديد المسؤوليات الفعلية.
والحذر ايضا ،لأن كل حق ليس وراءه مطالِب...يموت.
أرسلت بواسطة zozo , مارس 12, 2010


